كيف تدمر دولة في خطوتين؟

مقالات
منذ 1 شهر   |   AdminUser

سألني أحد الطلاب ذات مرة سؤالاً ذكياً جداً، قال لي ( لو طلبنا من عميل ما تدمير بلد ما في خطوتين فقط، ماذا سيفعل برأيك؟ قلت له سيعمل على شيئين أساسيين، هما:

الأول: إضعاف أو تعطيل المنظومة التي تتم فيهاعمليات التفكير والتخطيط الإستراتيجي للدولة (العقل الإستراتيجي للدولة).

والثاني:إضعاف أو تعطيل المنظومة التي تتم فيها عمليات الهندسة الإنسانية. وأعني بذلك عمليات البناء النفسي والوجداني للإنسان وتشكيله ثقافياً، وعمليات الهندسة الاجتماعية والبناء المعرفي ومهارات التفكير.

 

ما هو المبرر ؟

 

أولاً منظومة العقل الإستراتيجي للدولة:

 

إنّ النشاط الإنساني الذي يجب أن يسبق أي نشاط أو فعل آخر هو التفكير والتخطيط، لذلك فإن البداية الصحيحة لحل الأزمات والعبور نحو النهضة هو تأسيس مكان آمن للتفكير والتخطيط، أي العقل الإستراتيجي للدولة، العقل الذي من خلاله يتم حشد وتنسيق وإنتاج المعرفة ودراسة البيئة الداخلية والخارجية وتوقع المستقبل.

إنّ غياب هذه المنصة الآمنة، يعني: السير في الظلام دون نور كاشف.عدم الإستفادة من الخبرات المعرفية وتوجيهها لصالح الغايات الوطنية.عدم القدرة على قراءة واستغلال مصادر قوتنا. فعلى سبيل المثال، ومثلما يقال ان السودان بموارده المختلفة مؤهل ليكون سلة غذا العالم فهو بموارده المتمثلة في النباتات الطبية والعطرية مؤهل أن يكون سلة دواء العالم، (الدواء الآمن)، لكن قراءة هكذا مصادر والإستفادة منها غير ممكن في ظل غياب العقل الإستراتيجي للدولة. عدم القدرة عل معرفة الفرص الكبيرة المتاحة لنا وبالتالي عدم الإستفادة منها.عدم القدرة على معرفة نقاط ضعفنا ومهدداتنا ومن ثم السعي لحلها والتعامل معها.إختراق الإرادة الوطنية من قبل أصحاب المصالح الضيقة والأجنبية.الوقوع في فخ منهج الإدارة بالأزمة، بأن نكون في حالة لهث دون رؤية ودون قدرة على إتخاذ التوجهات والقرارات الصحيحة. وهكذا وفي إطار الحرب اللاخطية ( الحرب دون بندقية ) دخلنا في سلسلة أزمات لا حصر لها منذ الإستقلال ، أزمة نظام الحكم، أزمة الجنوب، الأزمات السياسية والإقتصادية ، أزمة دارفور، أزمة المخدرات، بداية التفتيت الوجداني وزراعة الكراهية، نفس الذي يحدث إقليمياً، أنظركيف يحارب أبناء البلد بعضهم البعض،العراقي يضرب العراقي والسوري يضرب السوري، اليمني يضرب اليمني، الليبي يضرب الليبي،...إلخ نتحارب بشعبنا وسلاحنا ومالنا لصالح العدو. منتهى الغباء، كل ذلك لغياب العقل الإستراتيجي والرؤية الوطنية الجامعة.

 

أهم آثار غياب العقل الإستراتيجي :

يؤدي غياب أو ضعف العقل الإستراتيجي لعدد من العواقب السلبية يمكن تناول بعضها فيما يلي:

وثيقة المصالح الوطنية العليا:

إن عدم وجود العقل الإستراتيجي في الدولة له علاقة مباشرة بضعف الرؤية الوطنية وغياب المصالح الوطنية. وللأسف وبالرغم من مرور 65 سنة على الإستقلال ، لا زال السودان دون رؤية تحدد مصالحه الوطنية والتي تأتي عادة في شكل وثيقة مفصلة، وهي الوثيقة الأكثر أهمية من الدستور، فالدستور يحمي هذه المصالح الوطنية ويؤسس لها ويحميها، لذلك فهي وثيقة سابقة للدستور في مسيرة بناء الدولة الناجحة، وللأسف رغم كثافة الفعل السياسي لا زال السودان دون وثيقة تحدد مصالحه الوطنية العليا.وبالتالي فإن غياب الرؤية والمصالح الوطنية التي تعبرعن الدولة ككل، قاد للآتي :

أن نظل دون إرادة وطنية قوية لأننا ببساطة لا نعرف ماذا نريد، وأعني هنا ماذا نريد كدولة، ماذا نريد كشعب، لا كحكومة ولا كحزب. لذلك فإن فشلنا في بناء الرؤية الوطنية الجامعة، وفشلنا في تحديد مصالحنا الوطنية العليا، أدى إلى أن نظل بدون إرادة وطنية قوية. وقديما سُئِل الزعيم الصيني ماوعن المعنى الحقيقي للقوة فأجاب، القوة هي أن تكون هناك رؤية واحدة لشعب بأكمله. أن تعمل الدولة دون مرجعية وهو السبب الأساسي لارتباك الساحة الوطنية وحدوث الخلافات. وهنا غالبا ما نجد أنفسنا في موطن تلبية مصالح الآخرين. إذن، نحن دون رؤية، دون مصالح وطنية متفق عليها، دون مسار وطني محدد، ودون إرادة حقيقية.

 

واقع آلية التخطيط :

من خلال متابعتي لتطور آلية التخطيط في السودان منذ أن أنشأت كسكرتارية ثم إدارة فوكالة فوزارة، ظلت دائماً من أضعف أجهزة الدولة، وذلك إنتهاءً بمجلس التخطيط الإستراتيجي والذي هو آلية منشأة كسكرتارية للمجلس القومي للتخطيط الإستراتيجي ، وبمستوى أقل من مستوى وكالة، يعاني عدم الإهتمام ولا تجد خططه الإلتزام في كثير من الأحيان. وعندما تم إقتراح وزارات الحكومة الإنتقالية الحالية كانت من ضمنها وزارة التخطيط الإستراتيجي (رغم إيماني بحوجتنا لسلطة مهنية مستقلة للتخطيط وليس وزارة)، أياً كان فقد تم حذفها بشكل مريب جداً، حيث لا تزال الدولة ومنذ أكثر من عام تعمل دون جهاز تخطيط.أما مجلس الامن والدفاع الحالي فهو أبعد ما يكون عن مجلس الأمن القومي، فلا هو توسع ليشمل مهام مجلس الأمن القومي، ولا هو إهتم بالأمن والدفاع الذي يُعنى بالقوة العسكرية الأمنية فقط التي تضم القوات المسلحة والشرطة والمخابرات.

 

الوضع الأمثل:

هناك حاجة لتأسيس سلطة مهنية مستقلة للتخطيط، ومجلس للأمن القومي يُنشأ بموجب نص دستوري وقانون. يناط به وضع إستراتيجية الأمن القومي ( حيث لا زلنا دون إستراتيجية للأمن القومي في ظل بيئة معقدة )، كما يناط به إتخاذ القرارات والتوجهات الإستراتيجية ورعاية المسار الإستراتيجي الذي يفضي نحو القوة الإستراتيجية الشاملة التي تحقق الأمن القومي. ولعله من المخزي أن هذه القوة الشاملة ظلت محل إهمال أوعدم إدراك للقوى السياسية طوال فترة ما بعد الإستقلال ، وهي سبعة قوي، القوة الإجتماعية الثقافية، السياسية، الإقتصادية ، العسكرية الأمنية، العلمية، التقنية، وقوة الإعلام المعلومات. وبناء علي هذه القوى الشاملة تتشكل قطاعات مجلس الأمن القومي، ويكون لها جهاز تنفيذي يشكل القلب النابض لمنظومة الأمن القومي التي تشمل بجانب التمثيل الرسمي في مجالات قوى الدولة السبعة، كل من مؤسسات البحث العلمي ومراكز التحليل والتفكير والإبداع والدراسات الإستراتيجية والمستقبلية إلخ، حيث يقوم الجهاز التنفيذي بالاشراف على عمليات إنتاج المعرفة والبحث والابتكار والتحليل الإستراتيجي والقياس والتقييم، من خلال توجيه وتنسيق أطراف المنظومة.ولعل من الدروس العميقة لأزمة فيروس كورونا هو إدراك العالم لأهمية وخطورة القوة العلمية للدولة، حيث تم تهديد الأمن العالمي ولم تفلح معه لا الأحزاب ولا الجيوش ولا المؤسسات المالية وإنما مراكز البحث العلمي.

 

ثانياً منظومة الهندسة الإنسانية:

كل ما سبق كان شرح للشق الأول من الإجابة على سؤال الطالب (كيف تدمر دولة ما – في سطرين). الإجابة كانت من جملتين، الأولى كانت (إضعاف أو تعطيل المنظومة التي تتم فيهاعمليات التخطيط الإستراتيجي للدولة (العقل الإستراتيجي للدولة).) والجملة الثانية كانت (إضعاف أو تعطيل المنظومة التي تتم فيها عمليات الهندسة الإنسانية. وأعني بذلك عمليات البناء النفسي والوجداني للإنسان وتشكيله ثقافياً، وعمليات الهندسة الإجتماعية والبناء المعرفي ومهارات التفكير .وفيما يتصل بالشق الثاني، تشير التجربة الإنسانية إلى أن تحقيق النهضة يرتكز إلى عدد من العناصر، من أهمها المورد البشري والإنتاج المعرفي، ولعل ذلك يفسر ضعف الأداء في كثير من دول العالم رغم توفر الفرص والمورد الطبيعي والمزايا الأخرى.

 

الوسائل الجديدة للاستعمار :

 

ولعله من القفزات الهائلة في علوم إدارة الصراع الإستراتيجي، هو التغير الكبير في وسائل الاستعمار التقليدية المتمثلة في الآلة الحربية إلى نوع جديد وهو الاستعمار العقلي والثقافي، حيث يتم من خلال الإستراتيجيات التربوية والثقافية والنفسية والاجتماعية، تشكيل الإنسان وفق التصور الذي يخدم الأهداف المحددة.

وهناك اتجاهين لإتمام هذه العملية: أولهما أن يتم التشكيل وفق المرجعية الوطنية. والثانية أن يتم التشكيل وفق مرجعية الطرف الأجنبي، وهو ما يجري تحقيقه عبر العولمة الثقافية وسيطرة الدول الكبرى على آليات البناء الثقافي والفكري والأخلاقي، وقد كان الضعف في هذا الجانب هو أحد أسباب تفكك الاتحاد السوفيتي في حربه الباردة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث جرت عمليات تشكيل وجداني وثقافي للشعب السوفيتي وفق المرجعية الأمريكية في مفهوم وفلسفة الحياة.وإذا كانت السيطرة تتم بالآلة الحربية فعدد الرؤوس النووية السوفيتية هي في الواقع ضعف عدد الرؤوس الأمريكية، لكن نقطة الضعف كانت في الضعف الثقافي، وهذا مبدأ معروف في علم الإستراتيجية يقوم على أن تحقيق السيطرة يتوقف على قوة (مركز الإرسال الثقافي) والسيطرة الثقافية.  لذلك إذا نظرنا وفق منظور إستراتيجي عميق لعمليات تحقيق النهضة والسلام والأمن القومي، سنجدها تبدأ بالهندسة الإنسانية، وهو ما يجعل الوزارات المعنية بهذا التشكيل كالتربية والتعليم والإرشاد الديني والثقافة، تأتي في مقدمة البروتوكول في الدول المتقدمة، بينما تتزيل القائمة في دولنا.أما في جانب الصراع الإستراتيجي الدولي، سنكتشف أن الجانب الثقافي العقدي يشكل أحد أهم محاوره، فهو لا يقتصر فقط على المصالح الإقتصادية. لذلك ظهر الاستعمار الثقافي بغرض إعادة تشكيل الإنسان وفق مرجعية حكام النظام العالمي و وفق مفهومهم وفلسفتهم للحياة. وهو ما يجعل من السيطرة على عمليات التربية والتعليم والإرشاد الديني والثقافة، أي وزارات الهندسة الإنسانية، أهم من السيطرة على العمليات العسكرية. وإذا ما نظرنا لمشكلة السودان من زاوية ثقافية سنجد الكثير من معيقات بناء الهوية الوطنية السليمة، فلا زالت هناك عصبيات وجهويات، وهناك خلل في التمييز بين مفهوم الدولة والحكومة والحزب، كما يوجد ضعف في ثقافة إحترام القانون والنظام والمؤسسية، هناك ضعف في الإيمان بمبادئ الشفافية وقبول النقد وإحترام الرأي الآخر، وإحترام الزمن وإتقان العمل والعمل الجماعي..إلخ.

لذلك من الصعوبة بمكان تحقيق النهضة دون الإعتناء الكافي بالبعد الثقافي، لا يمكن كمثال تأسيس حكم راشد دون إرساء ثقافة الحكم الراشد عبر عمليات التربية والتعليم والثقافة، وبالتالي، وإجابةً على سؤال الطالب، ومن وجهة نظر الخصم، فإن تعطيل أو إضعاف المنظومة المسؤولة عن هكذا مهام أمر ضروري.

 

الخلاصة :

إنّ تعطيل العقل الإستراتيجي للدولة، العقل الذي يحلل ويخطط للمستقبل ويحقق التكامل والتناغم والتناسق للنشاط الوطني، ويضبط مسار الدولة نحو الغايات الوطنية ونحو القوة، يعني أن نظل متشاكسين مختلفين نلهث دون رؤية، ودون مسار وطني ودون إرادة. كما أن الفشل في مجال البناء النفسي والوجداني والتشكيل الثقافي والمعرفي للإنسان السوداني يعني فشلنا في تأهيل مورد بشري قادر على تحقيق النهضة. كما يعني أيضاً تشكيل الإنسان السوداني وفق مرجعيات فكرية أجنبية، وهو أخطر وأسوأ من الاستعمار التقليدي لانه يُخِل بمفهومنا وفلسفتنا للحياة ككل.لذلك فإما أن يظل فهمنا للتخطيط كترف ذهني وتنظير، فنستمر في الدوران في دائرة الجهل والفقر والتخلف والنزاع، أو نعزز إهتمامنا بالتخطيط وما يتصل به من إستدعاء للسطة العلمية، فنخطو بثبات وثقة نحو مستقبل أفضل. أما آن الأوان لعلماء وخبراء السودان للإضطلاع بدورهم في إعادة ترتيب منهج وطرائق إدارة الدولة؟.إن أصالة منظومة القيم السودانية وصلابة المركب الثقافي السوداني (رغما عن الكثير من المناقص والمشكلات)، خفف من فشل النخب السياسية في المجالين الذين ناقشتهما الورقة، لكن هذا وضع يجب أن لا يستمر، علينا جميعا النظر بعمق ومسؤولية لهاتين القضيتين، ففيهما مفاتيح نهضة دولتنا ومعاول هدمها في نفس الوقت، وعلينا الإختيار.

 

كتبه: البروفسور محمد حسين أبو صالح

 

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة قد تكون مهتماً بها