ماذا يعني الذكاء الاصطناعي لمستقبل حرب المناورة؟

ترجمات
منذ 1 شهر   |   AdminUser

 

ماذا يعني الذكاء الاصطناعي لمستقبل حرب المناورة؟

الكاتب فانز-ستيفان غادي

 

يرى ستيفان غادي، بأنّه من المحتمل أن يتسبب الذكاء الاصطناعي بثورةٍ في مفاهيم القتال المعتمدة عل المناورة، مع بقاء بعض العقبات الفنية والعملياتية، والتي ينبغي تجاوزها أولاً.

إن الذكاء الاصطناعي هو الأساس الذي سيمكن من إنشاء قدرات حاسوبية قادرة على تنفيذ العمليات الذهنية البشرية بسرعٍ تفوق قدرات البشر، ولقد جرى في الآونة الأخيرة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. فعلى سبيل المثال، استُخدِم في الشرق الأوسط ضمن عمليات مكافحة الإرهاب مشروع مايفين (Maven) وهي برمجية آلية لمعالجة المعلومات مبنية على خوارزميات التعلم الآلي[1]، طُوِّرت تحت إشراف وزارة الدفاع الأمريكية. وتستخدم الأنظمة الحديثة بعيدة المدى للدفاع الجوي والصاروخي – من ضمنها طرازاتٌ حديثة لنظام الدرع القتالي الأمريكي (Aegis) - خوارزمياتٍ أولية للتعلم الآلي بغرض الدفاع ضدّ التهديدات بالصواريخ البالستية والانسيابية (الكروز).

يمكن أن تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي تأثيرات هائلة على العمليات العسكرية الهجومية التقليدية، نظراً لاعتمادها على خوارزميات التعلم الآلي، والتي تسرع ما يُسمى بـ"سلسلة القتل"[2] بربط المُتحسسات والأسلحة بشبكة الأشياء (internet of things)[3] أو بنية نظام النظم (system of systems)[4]. وقد توصلت لعبة حرب[5] طبقها الجيش الأمريكي عام 2019، إلى أنّ تعزيز فصيلة مشاةٍ بقدرات الذكاء الاصطناعي، سيزيد من قوة القتالية الهجومية عشرة أضعافٍ، ولذا ستقلب التوازن بين الهجوم والدفاع لصالح المهاجم انقلاباً هائلاً (مصدر)، وهذه النتيجة لا تشير إلى تغلب الجيوش التي تنشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الجيوش التي تفتقر لتلك القدرات فحسب، ولكنّها تشير أيضاً إلى أن الذكاء الاصطناعي قادرٌ على تقليل التكاليف المادية والبشرية للعمليات الهجومية.

إن للذكاء الاصطناعي استخداماتٌ عسكريةٌ عديدةٌ أثناء الهجوم العسكري. فأنظمة إدارة المعارك وأنظمة المراقبة والاستطلاع والاستخبارات الموجهة بالذكاء الاصطناعي؛ كلها تتيح للقادة وعياً متزايداً بالأوضاع، وهو ما قد يساعد الجيوش على تحديد مراكز ثقل عدوها في مجال المعركة، وتُمكِّن القوات من التنسيق السريع للهجمات المشتركة. فعلى سبيل المثال، في السيناريو النظري لحروب المستقبل مع روسيا أو الصّين، فإنّ قادة الجيش الأمريكي مع ما سيتيح لهم الذكاء الاصطناعي من مساعدات اتخاذ القرار، قد يعطلوا تعطيلاً سريعاً قدرات العدوَّيْن الروسي والصيني لحظر الوصول لمناطقهما[6]، مثل المتحسسات بعيدة المدى ومنصات القصف الدقيق، مع مزجها بصواريخ فرط صوتية أو هجمات سيبرانية أو قوات عمليات خاصة.

ومن بعد أن تُفقأ الفقاعة المحرمة الوصول/الدخول، تقوم القوات الجوية والبرية والبحرية الأمريكية مدعومة بقدراتٍ فضائيةٍ وسيبرانية، إما بالاستيلاء على مراكز ثقل العدو أو تفكيكها أو تدميرها. أساساً، يمكن توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي من قبل الجيش الأمريكي لتطبيق نسخة القرن الـ21 من حرب المناورة أو ما تسميه وزارة الدفاع الأمريكية بحرب المناورة في جميع النطاقات[7] (مصدر).

وتصف قوات المارينز فلسفة القتال هذه بأنها "آخر ما توصل إليه العقل البشري، من السعي لتحطيم العدو مادياً ومعنوياً، عن طريق شلّه وإرباكه، وتجنب نقاط قوته، مع الاستغلال السريع والعنيف لنقاط ضعفه، وتوجيه الضربات بالأسلوب الأشد إيلاماً له". ويمكن أن تجد التعبير الأكثر إيجازاً له في حملات الجيش الألماني النازي بين عامي (1939-41) وحملة حرب الخليج على العراق عام 1991.

نتائج أسرع، لكن أقل حسماً

إن حرب المناورة في القرن الواحد والعشرين سيعتمد على عملياتٍ أسرع وأفضل في اتخاذ القرارات من عمليات الخصم، وهذا بدوره سيعتمد على التفوق المعلوماتي (مصدر) والهيمنة في الفضاء السيبراني. مع ذلك، فإنّ هناك عدداً من العوائق ينبغي تجاوزها حتى يصبح هذا الأمر واقعاً، وهذا الأمر ينطبق بالقليل على المدى القريب.

أولها، هو أنّ تصميم الوحدات العسكرية الأمريكية يبقى مركزاً على النظرة الاستنزافية للحرب، بدلاً من التركيز على حرب المناورة (مصدر). وهذا الأمر انعكس على العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية وعلى وضع القوات المُركز على منصاتٍ متعددة المهام مُختارة. إن تطور العقيدة العسكرية الأمريكية يتجه نحو هيكلة قواتٍ أكثر انتشاراً، والتي من الناحية النظرية يجب أن تكون قادرةً على تنفيذ حرب مناورة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي. إلا أنّ هذا الأمر ما يزال في المرحة التجريبية، مع تطبيق العقائد العسكرية العملياتية الجديدة، مثل المفهوم القتالي المشترك لوزارة الدفاع للعمليات في جميع النطاقات، والإطار العملياتي للمعارك متعددة النطاقات (مصدر)، والعمليات البحرية المنتشرة للقوة البحرية الأمريكية (مصدر)، ومبادرة القيادة والسيطرة متعددة النطاقات للقوة الجوية الأمريكية (مصدر). وكل هذه العقائد سترتكز على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبقى أن هذا الأمر يحتاج لسنواتٍ طويلةٍ حتى يتحقق على أرض الواقع.

ثانيها، هي عدم قابلية الوصول في الوقت القريب من المنظور التقني لأنظمة إدارة معارك، وأنظمة دفاعية، وأنظمة استطلاع ومراقبة واستخبارات متكاملة مشتركة بين صنوف الأسلحة ومُجهزة بالذكاء الاصطناعي. وعلى سبيل المثال، برنامج وكالة داربا لتكتيكات الأسراب الهجومية (OFFSET)، وهو برنامج يتصور أسراباً من 250 نظامٍ جوي وبريٍ ذاتي التحكم متعاون فيما بينه، يقوم بعملياتٍ هجوميةٍ في بيئة حرب المدن. إن النشر الناجح لمثل هذه الأسراب يعتمد على صورةٍ عملياتيةٍ مشتركةٍ[8] مُجهزة بالذكاء الاصطناعي، وتكون قادرةً على إظهار العمليات العسكرية عبر جميع النطاقات. إلا أنّ القدرة على القيادة والسيطرة متعددة النطاقات (مصدر) لم يصبح بعد برنامجاً تطويرياً رسمياً ضمن وزارة الدفاع.

وفوق ذلك، فبمجرد إنزال تلك الأسراب ذات الذكاء الاصطناعي بنجاح إلى الميدان، فقد تقوض الصورة العملياتية المشتركة والقدرة على القيادة والسيطرة متعددة النطاقات المطلوبتان في حرب المناورة. ووفقاً لتقرير مختبر لورانس ليفرمور الوطني (مصدر)، فإن روابط أي نظام أسلحة مستقلٍ معدلةٌ لتناسب برمجياته ومعداته والموجهة لغرضٍ معين. لكن لا يوجد قالبٌ منظمٌ جامعٌ لهذه الأنظمة ذات الذكاء الاصطناعي والتي تعمل على نحوٍ مستقلٍ وعلى مستوياتٍ متعددةٍ. وكما يبين التقرير:" فإنّ الأسلحة ذات الذكاء الاصطناعي، والمنصات وأنظمة التشغيل تعتمد على برمجيات ومعدات، كلٌ منها مصممةٌ خصيصاً لنظامٍ وغرضٍ مختلفٍ. ولا يوجد في الوقت الحالي آلية جامعة لدمج العشرات من أنظمة التشغيل ذات الذكاء الاصطناعي على العديد من المنصات". أو كما يصيغها محللٌ آخر بجدارة، فـ"ضباب الحرب" سيحل بدلاً منه "ضبابُ الأنظمة" [9] (مصدر).

ثالث هذه العوائق، هو إن الاعتماد على قدرات الذكاء الاصطناعي، سيفتح الباب لناقلٍ جديدٍ للهجوم عبر الفضاء السيبراني. فإذا استمرت المؤشرات الحالية على ما هي عليه، فإن أنظمة الأسلحة وقدرات الاستخباراتية والاستطلاع والمراقبة ستبقى معرضةً بشدةٍ للهجمات السيبرانية. فقد كشفت دراسةٌ للمجلس العلمي لوزارة الدفاع البنتاغون عام 2017 (مصدر)، بأنّ أنظمة الأسلحة الكبرى الأمريكية، بما فيها قدرات القصف الاستراتيجي غير النووي، ما زالتْ معرضةً للهجمات السيبرانية. ويرسم هذا التقرير صورةً قاتمةً عن عواقب حدوث هجومٍ مُعادٍ مُتقنٍ عبر الفضاء السيبراني، محدداً احتمالية تخريب المقذوفات الحربية أثناء المعركة أو إعادة توجيهها ضدّ مصدر إطلاقها، وإمكانية تعطل سلاسل الإمداد أو توجيهها باتجاهٍ خاطئ، وتعرض القادة العسكريين للشلل والجمود نتيجة الاشتباه بالتقارير والشكوك حول كفاءة توجيهاتهم.

من ثمّ، فإن انعدام وجود دفاعٍ سيبراني حصينٍ داخل أي قدرة ذكاءٍ اصطناعي، يجعل حرب المناورة لا تحقق في الغالب النجاحات المرجوة في مجال المعركة.

أخيراً، فإن تقنيات الذكاء الاصطناعي لن تزيد من سرعة وتيرة العمليات فحسب، ولكنها تحديداً ستزيد من سرعة سلسلة القتل (مصدر)، بينما تزيد في نفس الوقت من قابلية نجاة القوات في العمليات الهجومية، وكذلك الدفاعية. وإن مزايا تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تنتشر بالتساوي بين المهاجم والخصم (مصدر)، وهو ما قد يجعل من مزايا كل طرف تلغي مزايا الطرف الآخر.

قد يزيد الذكاء الاصطناعي من سرعة العمليات العسكرية، لكنها في نفس الوقت قد تقلل من الحسم في نتائجها (مصدر). وبدلاً من أن تشكل شكلاً جديداً من حرب المناورة، فإنّها قد تستنبط شكلاً أكثر تطوراً تقنياً من حرب الاستنزاف. من ثمّ، فقد يتعرض للإحباط المخططون العسكريون المعتمدون على قدرات الذكاء الاصطناعي، ممّن كلفوا بوضع تصورٍ لنسخة القرن الـ21 من حرب المناورة متعددة النطاقات لحرب الخليج 1991.

 

ترجمة: علي أحمد سالم

لقراءة المقال الأصلي: من هنا

الهوامش:

[1]  التعلم الآلي هو أحد فروع الذكاء الاصطناعي التي تهتم بتصميم وتطوير خوارزميات وتقنيات تسمح للحواسيب بامتلاك خاصية "التعلم". (مقتبسة من ويكيبيديا)

[2] سلسلة القتل مصطلح وُضِع في الأصل كمفهوم عسكري يتعلق بهيكلية الهجوم؛ ويتكون من تحديد الهدف، وإرسال القوة إلى الهدف، والقرار والأمر بمهاجمة الهدف، وفي النهاية تدمير الهدف. (مقتبسة من ويكيبيديا)

[3] شبكة الأشياء هو مصطلح برز حديثا، يُقصد به الجيل الجديد من الإنترنت (الشبكة) الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها (عبر بروتوكول الإنترنت. وتشمل هذه الأجهزة الأدوات والمستشعرات والحساسات وأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة وغيرها. (مقتبسة من الويكيبيديا)

[4] نظام النظم مجموعة من الأنظمة لمهمة لا يمكن لأي من الأنظمة تحقيقها بنفسه. يحتفظ كل نظام مكون بإدارته وأهدافه وموارده الخاصة مع التنسيق مع الأنظمة المتبقية والتكيف مع نظام أهداف الأنظمة. (مقتبسة من الويكيبيديا)

[5] هي نوع من الألعاب الاستراتيجية التي تحاول محاكاة الحروب على نحوٍ واقعي، بغرض تدريب الضباط ومحاولة تطوير عقائد عسكرية. (مقتبسة من الويكيبيديا)

[6] سلاح منع دخول المنطقة أو نظام أسلحة حظر الوصول هو أداة تستخدم لمنع خصم ما من احتلال منطقة من اليابسة أو البحر أو الجو أو التنقل ضمنها. (مقتبسة من ويكيبيديا)

[7] يُقصد بجميع النطاقات في اللغة العسكرية الأمريكية النطاقات البرية والجوية والبحرية والفضائية والسيبرانية، وهذا المفهوم أضاف بعدين جديدين للحرب. (مقتبسة من ويكيبيديا)

[8] هي عرض موحد فيما يتعلق بالمعلومات العملياتية المتعلقة (مثل موقع القوات الصديقة وموقع قوات العدو، ومواقع البنى التحتية الهامة مثل الجسر وحالتها) ويتم مشاركتها بين أكثر من قيادة عسكرية. وتساعد على التخطيط الجماعي والتنفيذ المشترك، ويعين جميع الأنساق على تحقيق وعيٍ موحدٍ بالأوضاع. (مقتبسة من ويكيبديا)

[9] يُقصد بمفهوم ضباب الحرب هي حالة عدم اليقين بالأوضاع في ظل الظروف الحربية. والمفهوم مُقتبس من المنظر العسكري الألماني كلاوزفيتز. ويشير كاتب المقال إلى تبدل هذه الحالة التي يرجع أساسها إلى ضعف النفس البشرية، إلى تعقد الأنظمة وما تحدثه من تضارب واختلافات.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة قد تكون مهتماً بها

لمن الغلبة في عالم ما بعد الجائحة؟

منذ 1 شهر

يناقش روتشير شارما موضوع من هي الدولة التي ستخرج منتصرة وبأكبر فوائد وأقل خسائر من جائحة كورونا، تلميح: ليست أمريكا ولا الصين فالجائحة أَحْيَت من سمعة قائدة إحدى الدول الأوربية وحسَّنتْ من صورتها كإحدى أفضل قادة البلد.