لمن الغلبة في عالم ما بعد الجائحة؟

ترجمات
منذ 1 شهر   |   AdminUser

بقلم روتشير شارما [1]

السيد شارما مستثمرٌ عالمي وكاتب رأي

 

الجائحة أَحْيَت من سمعة أنجيلا ميركل وحسَّنتْ من صورتها كإحدى أفضل قادة البلد.

تخيل دولةً تُعد إحدى أكبر قوى الغرب الاقتصادية، وقد وصلها الفيروس متأخراً، ولكن بدلاً من محاولة الحكومة إنكار الفيروس أو التباطؤ في الرد فقد جهزتْ نفسها للعمل مبكراً. تلك الدولة كانت قد أعدتْ تحاليل الفيروس وتعقبت المصابين بغرض "تسطيح منحنى إصابات الوباء" سريعاً، وقلَّلت من معدل الوفيات إلى مستويات أقل عدة مرات من أي دولةٍ كبرى غربية صناعية. كان لاحتواء الفيروس أن سمح بإغلاق محدودٍ وموجه، وهو ما حصر البطالة بنسبة 6% فقط. ووسط الإشادة الدولية بهذه الجهود، فإن القائدة التي سأم الشعب منها كما كان متوقعاً من قبل، صعدتْ شعبيتها صعوداً هائلاً من 40% إلى 70%.

إن الصورة المرآة لأمريكا تحت حكم الرئيس ترامب هي ألمانيا تحت حكم المستشارة أنجيلا ميركل. وهمّشت شعبيتها المتصاعدة سياسياً كلاً من اليمين واليسار المتطرفَين. فقد عملت النقابات الألمانية عملاً وثيقاً مع الزعماء الألمان على إبقاء المصانع مفتوحة وتأمين أجواء العمل (إلا أن صناعات تعبئة اللحوم كانت استثناءً بارزاً من هذا الأمر). عملتْ حكومة ميركل على التنسيق مع جميع الولايات الألمانية بغرض احتواء الجائحة، وتشاركت مع زملائها من أعضاء الاتحاد الأوروبي على إنشاء صندوق إنعاش للدول الأكثر تضرراً من الجائحة.

إن القوة التي تظهرها ألمانيا يجعلها على الأرجح الاقتصاد الكبير الصاعد في عالم ما بعد الجائحة.

يعمل فيروس كورونا على التعجيل بانكفاء اقتصادات الدول والذي بدء أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008. وتتزايد سيطرة الحكومات شيئاً فشيئاً على جميع جوانب الحياة الاقتصادية، مع زيادة الدين العام لإبقاء النمو، وفرض المزيد من الحواجز أمام التجارة والهجرة الخارجية. واليوم لا يزدهر إلا الجانب الافتراضي من الاقتصاد العالمي، حيث أصبح الناس يعملون ويلعبون ويتسوقون عبر الإنترنت.

فأي الدول ستزدهر انطلاقاً من هذه الخلفية الاقتصادية المتحولة؟ أما الولايات المتحدة والصين، فبالرغم من هيمنتهما التقنية، فإنهم يراكمون ديوناً هائلةً، وقد انتُقد تعامل حكومتهما مع الجائحة انتقاداً واسعاً. وبالنسبة لفيتنام، فيبدو أنّها تبشر بخير، كمُصدرٍ صاعدٍ للطاقة الكهربائية، وقد نجحت حكومتها في القضاء على الفيروس في مكانه. روسيا كذلك لديها اقتصادٌ مثيرٌ للاهتمام، لأن رئيسها بوتين عمل منذ سنوات على تسييج بلاده من الضغط الاقتصادي الخارجي، وهي حركةٌ دفاعيةٌ ستثبت بمرور الوقت نفعها في عالمٍ نابذٍ للعولمة وراء ظهره على نحوٍ سريع.

إلا أن الفائز الكبير كما يبدو غالباً، هي ألمانيا. فقد أبرزت استجابتها للجائحة كوامن قوتها؛ من حكومةٍ كفؤة، وانخفاض دَينها، وتميز سمعتها الصناعية والتي حمتْ صادراتها حتى مع انحدار التجارة العالمي، وتزايد قدرتها في إنشاء الشركات التقنية المحلية في عالمٍ هيمن عليه عملاقا الإنترنت الأمريكي والصيني.

وبينما كانت الدول الأخرى قلقة من أن التسريحات الأخيرة ستبقى دائمة، فإن معظم العمال الألمان استطاعوا تثبيت سلم الرواتب، وذلك عن طريق التوسيع العاجل لنظام العمل القصير (kurzarbeti)، وهو نظامٌ حكوميٌ طُبق منذ قرنٍ والذي يدفع الشركات للاحتفاظ بالموظفين ضمن ساعات عملٍ مُقصرة أثناء الأزمات المؤقتة. لقد استطاعت ألمانيا توسيع الاعتماد على نظام العمل هذا – وغير ذلك عن طريق الخدمات الاجتماعية – بفضل قدرتها المعروفة على التدبير. عبر السنين الفائتة الطويل وعندما كانت ميركل تلُح على الأعضاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي بالتقشف، كانوا يسخرون منها عادةً بنعتها بربة بيت شوابية (منطقة في جنوب ألمانيا اشتهرت نساؤها بالبخل والاقتصاد بالنفقة إلى الحد الاحتفاظ بالخبز البالي لصنع فطائر منها، بما يشبه بخل حليمة زوجة حاتم الطائي في الثقافة العربية)، واليوم لم يعودوا يسخرون من هذا الأمر.

ولأن ألمانيا دخلت لها هذه الجائحة ولديها فائضٌ حكومي، فقد استطاعت دعم إغلاق اقتصادها بالدفع المباشر للعوائل، وتخفيض الضرائب، والقروض التجارية، وغيرها من المساعدات التي بلغت حجمها 55% من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يزيد عن أربعة أضعافٍ من حزم الإنقاذ للولايات المتحدة كجزءٍ الناتج المحلي الإجمالي.

واستطاعت وبإرادتها للمرة الأولى، أن تقدم حوافز مالية طارئة للدول المجاورة التي طالما اشتكت ممّا أسمته "لدغات" ألمانيا التي آذت القارة الأوروبية. وهذه الحركة كانت ذكيةً مثلما كانت سخيةً؛ فتلك الدول أصبحت أقدر على تحمل تكاليف الصادرات الألمانية ممّا سبق.

ومع ذلك، فلم تتخلَّ ألمانيا عن التزامها بميزانية متوازنة. فمعظم هذه النفقات سيتم سحبها من المدّخرات، وهو ما يجعل من المتوقع ارتفاع الدين العام الألماني، ولكن بمقدار 82% من الناتج المحلي الإجمالي فقط، وهو عبء أخف من الديون بكثيرٍ من الدين الأمريكي وغيرها من الدولة المتقدمة، والتي تُنفق أقل بكثيرٍ على حزم الإنقاذ الاقتصادية.

يرى المتشككون بأن ألمانيا حالياً تعتمد اعتماداً خطيراً على الصادرات الصناعية، وبالذات مع الصّين، في الوقت الذي تتباطأ فيه التجارة العالمية. ووعياً منها بهذه المخاطر، دفعت ألمانيا باتجاه تحديث مصدريها الرائدين المتمثلين بكبرى شركات السيارات. فعملتْ عبر القوانين والتشهير العلني بالضغط على صانعي السيارات للتحول من محركات الاحتراق العالية الأرباح إلى السيارات الكهربائية مستقبلاً. حيث قامت شتوتغارت - مسقط رأس ميرسيدس-بينز وبورشه - بمنع محركات الديزل القديمة من الدخول إلى المدينة.

كذلك، فألمانيا تدفع نفسها للتحول إلى قوةٍ تقنيةٍ أكثر منافسةٍ، وإن كانت هذه الدفعة أتت متأخرةً نوعاً ما. فخصصتْ للأبحاث والتطوير بنفس نسبة الولايات المتحدة (حوالي 3% من الدخل المحلي الإجمالي)، ولديها خططٌ بعيدة المدى لخلق بيئة تنظيم للمشاريع مشابهةٍ لوادي السيليكون، والتي تدعم فيها رؤوس الأموال الاستثمارية الشركاتِ الناشئة والواعدة. إلا أن الصناعة التقنية الألمانية، لم تخلُ من الإخفاقات، مثل الانهيار الأخير والمفاجئ لشركة "وايركارد" المالية التقنية، وهو ما أثار تساؤلاتٍ عن يقظة الجهات التنظيمية المالية الألمانية. ومع ذلك، فهناك الكثير من الصناعات التي حققت نجاحاً أولياً متشبهةً بشركات التسوق الإلكتروني وشركات إيصال الأطعمة الأمريكية، وتحقق الآن صعوداً سريعاً.

تضمنت خطة إنقاذ الاقتصاد الألمانية 56 مليار دولار للشركات الناشئة، والتي يمكن أن تُرقْمِن (digitize) الصناعات التقليدية، باستخدام الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الحديثة. وبعد فرنسا، فقد أعلنت ألمانيا مؤخراً ما أسمته وزارة الشؤون الاقتصادية الألمانية مشروعاً رقمياً هائلاً (moonshot)، يهدف لإنشاء سحابةٍ إنترنتية أوروبية منافسة لمثيلاتها الأمريكية والصينية.

إن ألمانيا مجتمعٌ محافظٌ عريق، إلا أن الأيام من قبلُ أثبتتْ خطأ من نقدوه بالبطء الشديد في التغيير. ففي أوائل القرن الجديد، وحين انتهت بها مكانتها إلى أن شُبِهتْ بـ"الرجل المريض لأوروبا"، تبنَّتْ إصلاحاتٍ في سوق العمل أعاد لها مكانتها كدولةٍ اقتصادها هو الأكثر استقراراً في القارة. ومع تسارع وتيرة تحول العالم نحو الرقمنة ونبذ العولمة من جراء الجائحة، برزت ألمانيا نتيجة قوتها النسبية أمام هذه التحدّيات، ونتيجة استعدادها للتعامل معها.

 

ترجمة: علي أحمد سالم

رابط المقال الأصلي: هنا

الهامش:

[1] روتشير شارما هو كبير الاستراتيجيين العالميين في شركة مورغان ستانلي لإدارة الاستثمارات، ومؤلف كتاب "القواعد العشر للدول الناجحة" وكاتب رأي مساهم.

 

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة قد تكون مهتماً بها

ماذا يعني الذكاء الاصطناعي لمستقبل حرب المناورة؟

منذ 1 شهر

أثّر دخول الذكاء الاصطناعي في الجيش على طبيعة الحرب، فهي تقلل من التكاليف وتزيد من سرعة ووتيرة العمليات وتغير من شكل حرب المناورة الحديثة، لكنها في الغالب ستكون أقل حسمًا